نشأة الأدب الإسلامي

نشأة الأدب الإسلامي موقف القرآن من الشعر موقف الرسول ﷺ من الشعر موقف الصحابة من الشعر


نشأة الأدب الإسلامي :

نشأ الأدب الإسلامي بنزول القرآن الكريم على سيدنا محمد *ص*.

موقف الإسلام من الشعر والنثر :

لا تجد معارضة في شيوع النثر الأدبي الإسلامي وقوته وجودته وتنوعه في صدر الإسلام؛ على خلاف معارضة بعضهم للشعر ...

موقف القرآن من النثر :

فقد أقر القرآن الكريم القصة سلاحا قويا ومؤثرا من أسلحة الدعوة إلى الإسلام وانتشاره؛ للتنفير من الرذيلة والقبائح، والترغيب في القيم الخلقية والفضائل ،،،

وأخذت حيزا كبيرا من القرآن الكريم في قصص الرسل مع أقوامهم في عصور كثيرة، وقصص الأمثال، والصالحين من عباده: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين)، و ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب»(1)، وقوله تعالى : ( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)(2) ،،،

وقوله تعالى: (نحنُ نقص عليك نبأهم بالحق)، و(واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا)(3) وغيرها من الآيات الكثيرة.

موقف الحديث الشريف من النثر :

فأثر ما سبق في وجود القصـة فـي الحـديث النبوي الشريف؛ مثل قصة الأبرص والأقرع والاعمى(4)، وقصـة " المسـتلف ألـف دينـار"(5)، وقصـة "الكفل"(6) وقصة الغلام والساحر وأصحاب الأخدود(7)، وقصة أصحاب الغار الثلاثـة(8) وغيرها ،،،

وأثـر كـذلك فـي وجـود قصـص الغزوات والفتوحـات الإسلامية ومقامات الزهاد، ومقامات الهمذاني، ومقامات الحريري، ورسالة الغفران، والتوابع والزوابع، وغيرها .

---------------------------
الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق
(1) سورة يوسف: آية 3، 111.
(2) الأعراف: آية 176.

(3) الكهف: آية 13، ٣٢.
(4) صحیح مسلم : ج ۸ مجلد 6 ص ۹۷، دار الریان، ۱۹۸۷.
(5) صحیح البخاري: جـ 3 ص ١٢٤، ١٢٥، ومسند الإمام أحمد.

(6) رواه أحمد في كتاب "المكثرين من الصحابة" الحديث رقم 4517، والترمذي في باب صفة القيامة ٢٤٢٠، مطبعة الحلبي بالقاهرة، ١٩٣٧.

(7) صحیح مسلم بشرح النووي، جـ ٨ ص ۱۳۳، مجلد 6.
(8) المرجع السابق جـ 7 مجلد 6 ص 55.


وأصبحت الخطبة فريضة مقرونة بالصلاة عماد الدين، لا تصح صلاة الجمعة إلا بها، ومسنونة في صلاة العيدين، ورأينا ذلك في خطب الرسول والصحابة *ﷺ * ووصاياهم ورسائلهم الأدبية في مناسبات كثيرة.

موقف القرآن من الشعر:

** لا يدخل معنا في حديثنا عن نشأة الشعر الإسلامي نفي القرآن الكريم لقول الشعر وتعاطيه عن رسول الله أو تعارض الشعر مع إعجاز القرآن ونظمه؛ فهذا أمر لا خلاف فيه، وإنما الذي نهتم به موقف القرآن من إباحة الشعر واتخاذه وسيلة وفئًا من فنون الأدب الإسلامي كالقصة والخطبة وغيرها ،،،

 ويكون ذلك إيذانًا بنشأة الشعر الإسلامي بعد التحول التاريخي الذي أحدثه الإسلام في كل شيء، قال الله تعالى في سورة سميت باسم الشعراء كما سمى فن القصة بسورة القصص:

( وأنذر عشيرتك الأقربين (٢١٤) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (٢١٥) فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (٢١٦) وتوكل على العزيز الرحيم (۲۱۷) الذي يراك حين تقوم (٢١٨) وتقلبك في الساجدين (٢١٩) إنه هو السميع العليم (۲۲۰) 

هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (۲۲۱) تنزل على كل أفاك أثيم (٢٢٢) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (۲۲۳) والشعراء يتبعهم الغاوون (٢٢٤) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (٢٢٥) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (٢٢٦) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (۲۲۷)) (۱) .


وفي إيجاز يتأكد ذلك الآتي:


*1*) تسمية القرآن الكريم لسورة من سوره باسم "الشعراء" التي منها الآيات إيذانًا بإجازة الشعر واستخدامه وسيلة من وسائل الدعوة، كما حدث 
بالنسبة للقصة في القرآن الكريم فجاءت فيه سورة "القصص"، ولدفع اعتراض يقال بأن في القرآن سورة "الكافرون" و "المنافقون" وما أشبه ذلك ،،،

فالأمر مختلف؛ لأن التنفير من النفاق والكفر والتحذير منهما أمر مقرر؛ لا سبيل إلى قبوله، بينما الشعر كان في شتى عصوره مقبولاً ومرغوبا فيه، وعليه الإجماع بأنه سجل العرب قبل الإسلام وبعده.

*2*) ذكرتُ الآيات الموصولة بآيات الشعر قبلها على غير عادة الباحثين في ذلك، فقد أهملوها؛ لأنها مرتبطة بما قبلها ارتباطا تفسيريًا وثيقا كالشأن في القرآن الكريم، فقد جاءت آيات الشعر في مقام الدعوة إلى الإسلام الموجهة إلى الكفار: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، والموجهة إلى المؤمنين : (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين،،،

 ثم إخلاص الدعوة إلى الله بالقول الطيب لا بالقول الخبيث، مثل دعوة الأفاك الأثيم لما يدعو إليه الشياطين، للإشارة؛ بل التصريح بأن الشعر الطيب الخالص وسيلة من وسائل الدعوة الإسلامية، لا الشعر الخبيث الذي يجريه الشياطين على أعوانهم من الكاذبين والغاوين والمنافقين والكافرين والظالمين ،،،

وهو ما صرحت به آيات الحديث عن الشعر في خواتيمها، وما أكدت عليه الآيات من القول الطيب والصالح، ومطابقة العمل لقول الشعر، واتخاذه سلاحا لإعلاء كلمة الله تعالى والجهاد في سبيله، وتحقيق النصر لديه، ورد الظلم (1) والعدوان والتحذير من التقصير في ذلك بأشد ألوان التحذير في قوله تعالى:

( وأنهم يقولون ما لا يفعلون (٢٢٦) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (۲۲۷)).


-------------------------------
الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق
1) سورة الشعراء : الآيات ٢١٤: ۲۲۷.
-------------------------------


*3*) نزلت آيات الشعر لا في كل الشعراء، بل في شعراء المشركين قبل أن يسلموا حين هجوا رسول الله ﷺ، وهم: عبد الله بن الزبعري، وأبو سفيان، وضرار بن الخطاب (*) ، وسواهم ممن ساروا في طريقهم وعلى نهجهم في أي عصر من العصور الأدبية في ظل الإسلام ،،،

فقد صرح به الإعجاز في التصوير القرآني ، فاستخدم الفعل المضارع الذي يدل على الاستمرار والتجدد والمتابعة والتواصل الدائم مع التأكيد على ذلك بمؤكدات كثيرة "أنهم، والاستثناء، والاسمية"، وذلك في كل الأفعال "يتبعهم يهيمون – يقولون – يفعلون".

*4*) جاء الاستثناء واضحا وصريحا من التحديد السابق للشعراء المشركين التي نزلت في شأنهم الآية لإباحة الشعر وحث الشعراء على اتخاذه وسيلة من وسائل الدعوة الإسلامية؛ ليتحقق الإيمان والعمل الصالح والنصر المبين، ورد الظلم والعدوان، والحث على ذكر الله تعالى، والجهاد في سبيله، والتحذير الشديد ممن يخالف ذلك كله ،،،

 فينقلب بأمر الله عزّ وجل إلى أسوأ منقلب: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (۲۲۷)) ، هل هناك أفظع من هذا التحذير والتنفير والوعيد العنيف، الذي تتصدع به قلوب الكاذبين والمنافقين والخبثاء والمفسدين والمنحرفين بالاتجاهات الأدبية الهدامة للأمة الإسلامية والمدمرة لقيمها السامية في كل عصر ،،،

ولنذكر الآيات التي مرت قبل ذلك من سورة إبراهيم في ضرب المثل بالكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة؛ فذلك مقت وافتراء كبير: «كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (1).

---------------------

الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق
* ) جامع البيان لأحكام القرآن : الطبري ۷٢/١٩.

-------------------

وغير ذلك من المواقف التفسيرية لآيات الشعراء، مما حث على قول الشعر واتخاذه فنا قويا ومؤثرا من فنون القول والأدب، فاندفع الشعراء من أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم وأتباع التابعين إلى اليوم وفي المستقبل يجاهدون بالكلمة الطيبة فيه كما يجاهد المؤمن بالنفس والمال، لما رواه كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: 

"اهجوا بالشعر، إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفسي بيده كأنما تنضحونهم بالنبل"(2)، وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم"(3).

----------------------------

(1) الصف: آية 3 .
(2) مسند أحمد بن حنبل 3/460.
(3) فيض القدير 3/343، وفي سنن أبي داود : كتاب الجهاد ص ١/٣٩٢ مع التقديم والتأخير.

----------------------------


أسئلة حول الموضوع :

تحدث عن نشأة الأدب الإسلامي بإيجاز ؟
ما موقف الإسلام من الشعر والنثر ؟

ما موقف القرآن الكريم من النثر ؟
ما موقف الحديث النبوي الشريف من النثر ؟

ما موقف القرآن الكريم من الشعر ؟ (مهم) .

موقف الرسول والصحابة من الشعر


موقف الرسول ﷺ من الشعر:

ما سبق من الأحاديث السابقة في موقف القرآن من الشعر (*) تحث على مدح الرسول ﷺ لقول الشعر وسماعه، وقد أعد منبرا له في المسجد يقف عليه حسان الشاعر، روت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر به عن رسول اللہ ﷺ ورسول اللہ ﷺ یقول:

 "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله"(1)، وروح القدس هوجبريل عليه السلام أمين الوحي، وفي ذلك من الدلالة على أن الشعر أصبح وسيلة من وسائل الدعوة الإسلامية كالشأن في القرآن الكريم والحديث الشريف، وفي بيت الله، ويكون في غيره من باب أولى، وعنها أيضا ان رسول الله ﷺ قال:

 "اهجوا قريشا فإنه أشد عليهم من رشق النبل، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهجهم، فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل حسان قال: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم دلع لسانه، فجعل يحركه، ثم قال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم فري الأديم؛ فقال رسول الله ﷺ:

 لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي، فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد خلص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلئك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ یقول: "لقد هجاهم حسان فشفى وأشفى"(2).

-----------------------

الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق
(*) راجع الأحاديث الواردة بموقف القرآن من الشعر.

(1) رواه البخاري والحاكم في المستدرك 3/487.
(2) رواه البخاري وصحيح مسلم بشرح النووي : ٥/٢٠١، وجاء بأسلوب آخر.

وكان ذلك تشجيعا معنويا للاهتمام بالشعر الإسلامي، بل شجعه ماديا حين أهدى بردته الشريفة لكعب بن زهير بعد أن أنشده لاميته المشهورة التي أجمع عليها المحققون من الرواة : 

"بانت سعاد"، وتأكدت هذه الأخبار من شيوع الأمر عند الصحابة، ولم ينكر عليه ذلك أحد منهم، بل انتقلت البردة التي أهديت لكعب إلى خلفاء بني أمية ثم إلى خلفاء بني العباس، وحديث إسلام كعب بن زهير وما ورد فيه من أخبار وشعر جاء في "الشعر والشعراء " لابن قتيبة(1)، وفي "السيرة النبوية" لابن هشام(2) ،،،

----------------
الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق
(1) ص 1/154.
(2) ص 4/74.

وفي "الإصابة" لابن حجر العسقلاني(1)، وحسنه وصححه الإمام الحافظ البيهقي في كتابه "دلائل النبوة" وابن كثير، وقد ثبت صحة السند في ذلك (2)، وما رواه البخاري في صحيحه عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الشعر لحكمة"، وما رواه عبد الله بن عمر أنه قال: قدم رجلان من الشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما ،،،

فقال رسول الله ﷺ: "إن من البيان لسحرا"، وما رواه البراء بن عازب * : لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله ، رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه – وكان كثير الشعر - فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة :

                                                     اللـهم لـولا أنـت مـا اهتـدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا
      فــــــــأنزلن سكينة ًعلينـا * وثبـت الأقـدام إن لاقينـا
      إن الإلى قـد بغـــــوا علينـا *  وإن أرادوا فتــــــنة أبينا

        ****

قال البراء : يمد صوته بآخرها (3).

ما ورد من ذم الرسول ﷺ للشعر :

وأما ما ورد من ذم الرسول ﷺ للشعر، فكان شعرا خبيثا في الهجاء، روى أبو سعيد الخدري أنه قال: "بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله ﷺ: "خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف الرجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا"(4).

----------------

الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق

(1) ص ٣/٢٩٥ .
(2) الالتزام الإسلامي في الشعر : ناصر الحتين، ص ١٤١، ١٤٢.

(3) رواه مسلم والبخاري في صحيحه، 4/73.
(4) صحیح مسلم : رقم ٢٢٥٩ في كتاب الشعر.

فقد ذكر السهيلي أن عائشة رضي الله عنها قالت: إن الشعر الوارد في هذا الحديث إنما هو الشعر الذي هجي به الرسول عليه الصلاة والسلام لا الشعر كله (1)، وجاء في "فتح الباري" ما رواه جابر: "لأن يمتل جوف أحدكم قيحا – أو دما – خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به"(2) ،،،

 قال البخاري: "إن هذا الحديث ينصب على من غلب عليه الشعر، وامتلأ صدره منه، واشتغل به عن العلم، وأعرض بسببه عن الذكر، وخاض في الباطل"(3)، وذهب كثيرون إلى الحكم : بأن هذا الحديث ضعيف في سنده، وعلى فرض أنه صحيح، فقد اتضح منه أن المقصود به شعر الهجاء القبيح المذموم في الإسلام.

موقف الصحابة من الشعر: 


أ) أبو بكر : 

ما ورد عن الصحابي عمرو بن الشريد عن أبيه حين ردف رسول الله ﷺ وروى له شعر أمية بن أبي الصلت، والأحاديث التي جند فيها رسول الله ﷺ حسان وابن مالك وابن رواحة وأجاز شعر كعب بن زهير وغيرهم ، يدل على فعل الصحابة من قول الشعر الذي قيل على مرأى ومسمع من الرسول وأصحابه * وأقرهم عليه، وكان أبو بكر * يحفظ الشعر ويرويه. 

روى المرزباني والدينوري عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: "كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا"  ،،،

-------------------

الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق
(1) الروض الأنف 5/73.

(2) ص ۲۲/۳۹.
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13/151.

فقال أبو بكر: إنما قال الشاعر: "كفى الشيب والإسلام للمرع ناهيا"، فأعادها النبي ﷺ كالأول؛ فقال أبو بكر: "أشهد أنك لرسول الله (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) (1).

وكان أبو بكر * رضي الله عنه * يرق لقول الشعر، ويؤثر فيه تأثيرا بالغا، حتى يرجع عن قرار أصدره بطلاق زوجة ابنه عبد الله وأمره بمراجعتها: كان ابنه عبد الله قد تزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو، وكانت من المهاجرات، وكانت حسناء جميلة، فأحبها حتى غلبت عليه وشغلته عن مغازيه؛ فأمره بطلاقها وعزم عليه حتى طلقها، فسمعه أبو بكر وهو يقول:

   أعاتك لا أنساك ما ذر شارق * وما ناح قمري الحمام المطوق
   أعــاتك قلبي كل يوم وليلة * إليك بما تخفي النفوس معلق

 ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها * ولا مثلها في غير جرم تطلق
 لها خلق جزل ورأي ومنصب * وخلق سوي في الحياة مصدق

 ***

فرق له أبوه وأمره فارتجعها"(2).


ب) عمر بن الخطاب :

وكان عمر بن الخطاب * رضي الله عنه * ذا بصر بنقد الشعر، وموقفه من شعر زهير بن أبي سلمى في استحسانه معروف مع عبد الله بن العباس * حين وصفه بأشعر الشعراء : "لأنه لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الكلام، ولا يمدح أحدا إلا بما فيه"(3)، ومن أخبار رواته واستحسانه للشعر:

 "دخل فرات بن زيد الليثي على عمر بن الخطاب، وكان ذا مال كثير وكان يبخل به ... فقال عمر: يا فرات؛ أتدري من الذي يقول:


       سأبذل مـالى للعفـاة فـإنني * رأيت الغنى والفقر سيان في الفقر

   يموت أخو الفقير القليل متاعه * ولا تترك الأيـام مـن كـان ذا وفـر

  وليس الذي جمعت عندي بنافع * إذا حل بي يومـا جليـل مـن الأمـر

--------------------

الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق
(1) السيرة النبوية لابن هشام ۲/۹۳۱.

(۲) أسد الغابة ٥/٢٢٩.
(۳) انظر كتابي: في الأدب الجاهلي، دراسة ونقد بالتفصيل، ص 56.


قال: لا أدري يا أمير المؤمنين، قال: هذا شعر أخيك أسامة بن زيد.
قال: ما علمته، قال: بل هو أنشدنيه، وعنه أخذته، وإن لك فيه لعبرة" (1).

ولقد نصح عمر بن الخطاب الناس بحفظ الشعر وروايته وإنشاده، فقال لابنه عبد الرحمن: "يا بني .. احفظ محاسن الشعر، يحسن أدبك؛ فإن من لم يحفظ محاسنه، لم يؤد حقا، ولم يحسن أدبا"(2).

--------------

(1) الإصابة ۳/٢١١.
(2) جمهرة أشعار العرب ص 35، العمدة ١/٢٨.

المصادر والمراجع :

سبق ذكرها .

الموضوع السابق :

الموضوع التالي :

تعليقات